أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
301
الكامل في اللغة والأدب
ووجّه المهلّب بزيد إلى الحجاج يخبره أنه قد نزل منزل قطري ، وإنه مقيم على عبد ربه ، ويسأله أن يوجّه في أثر قطري رجلا جلدا في جيش ، فسرّ ذلك الحجاج سرورا أظهره . كتاب الحجاج إلى المهلب ثم كتب إلى المهلّب يستحثه مع عبيد بن موهب ، وفي الكتاب : أما بعد ، فإنك تتراخى عن الحرب حتى يأتيك رسلي فتتراجع بعذرك ، وذلك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح وتنسى القتلى ويجمّ « 1 » الناس ، ثم تلقاهم فتحتمل منهم مثل ما يحتملون منك من وحشة القتل وألم الجراح ، ولو كنت تلقاهم بذلك الجدّ لكان الداء قد حسم والقرن قد قصم ، ولعمري ما أنت والقوم سواء ، لأن من ورائك رجالا وأمامك أموالا ، وليس للقوم إلا ما معهم ، ولا يدرك الوجيف « 2 » بالدبيب « 3 » ولا الظفر بالتعذير « 4 » . فقال المهلّب لأصحابه : إن اللّه عز وجل قد أراحكم من أقران أربعة : قطري بن الفجاءة وصالح بن مخراق وعبيدة بن هلال وسعد الطلائع ، وإنما بين أيديكم عبد ربّه في خشار « 5 » من خشار الشيطان ، تقتلونهم إن شاء اللّه . فكانوا يتغادون القتال ويتراوحون فتصيبهم الجراح ، ثم يتحاجزون كأنما انصرفوا من مجلس كانوا يتحدثون فيه فيضحك بعضهم إلى بعض ، فقال عبيد بن موهب للمهلّب : قد بان عذرك وأنا مخبر الأمير ، فكتب المهلّب اليه : أما بعد ، فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا ولم أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقين ، ذكرت أني أجمّ القوم ولا بد من راحة يستريح فيها الغالب ويحتال فيها المغلوب ، وذكرت أن في ذلك الجمام ما ينسي القتلى وتبرأ منه الجراح ، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم .
--> ( 1 ) يجم الناس : تستريح وتكثر . ( 2 ) الوجيف : ضرب من السير سريع . ( 3 ) الدبيب ضده : أي ضرب من السير بطيء . ( 4 ) التعذير : التقصير . ( 5 ) خشار بالضم : الرديء من كل شيء .